طشقند/ 18 يونيو/حزيران//برناما//-- في وقت يشهد فيه العالم تحولاً متسارعاً نحو مصادر الطاقة النظيفة وتزايداً غير مسبوق في الطلب على الكهرباء نتيجة التوسع في الذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات والصناعات كثيفة الاستهلاك للطاقة، تبرز الطاقة النووية مجدداً أحد الخيارات الاستراتيجية المطروحة أمام العديد من الدول، بما في ذلك ماليزيا.
وترى المديرة العامة للرابطة النووية العالمية، الدكتورة /ساما بلباو إي ليون/، أن الطاقة النووية يمكن أن تشكل جزءاً من مزيج الطاقة المستقبلي في ماليزيا، لكنها تؤكد أن تحقيق ذلك يتطلب أولاً استكمال مجموعة من المتطلبات الأساسية، وفي مقدمتها وضع إطار قانوني وتنظيمي متين، إلى جانب إعداد كوادر بشرية مؤهلة قادرة على إدارة هذا القطاع المتخصص.
وقالت /بلباو إي ليون/ في حديث لوكالة برناما على هامش منتدى طشقند الدولي للاستثمار 2026م (TIIF) إن نجاح أي برنامج نووي وطني لا يعتمد فقط على بناء المفاعلات، بل يتطلب منظومة متكاملة تشمل التشريعات والرقابة والتنمية البشرية والبنية التحتية المؤسسية.
وأضافت أن العديد من الدول الجديدة في مجال الطاقة النووية تمكنت خلال السنوات الأخيرة من تحقيق تقدم ملحوظ، مستشهدة ببنغلاديش وتركيا اللتين تستعدان لتشغيل أولى محطاتهما النووية هذا العام.
وأوضحت أن البلدين انتقلا خلال أقل من عقد من الزمن من عدم امتلاك أي قدرة على توليد الكهرباء بالطاقة النووية إلى إنتاج نحو 10 بالمئة من احتياجاتهما الكهربائية من هذا المصدر.
وتأتي تصريحات بلباو إي ليون في وقت تواصل فيه ماليزيا دراسة إمكانية إدراج الطاقة النووية ضمن استراتيجيتها طويلة الأمد لأمن الطاقة.
وكان نائب رئيس الوزراء الماليزي، فضيلة يوسف، قد أعلن مؤخراً أن الحكومة تُجري تقييماً شاملاً لبرنامج محتمل للطاقة النووية يشمل تطوير السياسات والأطر التنظيمية ودراسة الجدوى الاقتصادية وإشراك القطاع الصناعي وأصحاب المصلحة وتنمية رأس المال البشري.
وأكد أن استكشاف الطاقة النووية لتوليد الكهرباء يمثل جزءاً من الجهود الاستراتيجية الرامية إلى تعزيز أمن الطاقة الوطني ودعم التحول نحو مصادر الطاقة النظيفة.
وفي الوقت الراهن، لا تمتلك ماليزيا أي محطة للطاقة النووية، وتعتمد بشكل رئيسي على الغاز الطبيعي والفحم ومصادر الطاقة المتجددة لتلبية احتياجاتها من الكهرباء.
وترى الرابطة النووية العالمية أن الطاقة النووية ما زالت واحدة من التقنيات القليلة القادرة على توفير كميات كبيرة من الكهرباء بصورة مستقرة وعلى مدار الساعة، ومن دون انبعاثات كربونية مباشرة.
وقالت بلباو إي ليون: "إذا كان الهدف هو توفير كهرباء وفيرة وميسورة التكلفة ومتاحة على مدار الساعة وخالية من الكربون، فإن الخيارات المتاحة تبقى محدودة، وتشمل الطاقة النووية والطاقة الكهرومائية والطاقة الحرارية الأرضية".
ويأتي هذا الطرح في ظل تنامي الحاجة إلى مصادر كهرباء مستقرة يمكنها تلبية الطلب المتزايد من قطاعات التكنولوجيا الحديثة، وخاصة مراكز البيانات والبنية التحتية للذكاء الاصطناعي.
وأضافت أن الشركات التكنولوجية الكبرى ومشغلي مراكز البيانات وقطاعات النفط والغاز حول العالم باتوا ينظرون بجدية أكبر إلى الطاقة النووية باعتبارها أحد الحلول الممكنة لتأمين احتياجاتهم المتزايدة من الكهرباء.
وفيما يتعلق بالمخاوف المرتبطة بالسلامة النووية، أشارت بلباو إي ليون إلى أن النظرة العامة تجاه الطاقة النووية شهدت تحولاً ملحوظاً خلال السنوات الأخيرة، مدفوعة بالحاجة إلى مصادر طاقة آمنة ومنخفضة الانبعاثات الكربونية.
وأكدت أن البيانات الصناعية المتعلقة بمعدلات الوفيات لكل وحدة كهرباء منتجة تُظهر أن الطاقة النووية تُعد من بين أكثر وسائل توليد الكهرباء أماناً مقارنة بالعديد من المصادر الأخرى.
ومن بين التطورات التي قد تُسهم في تسهيل اعتماد الطاقة النووية مستقبلاً، برزت المفاعلات المعيارية الصغيرة باعتبارها أحد أبرز الاتجاهات الجديدة في القطاع.
وأوضحت بلباو إي ليون أن هذه المفاعلات تعتمد على تصميمات معيارية تسمح بتصنيع المكونات في المصانع وتجميعها في مواقع التشغيل، ما يسهم في تقليل مدة التنفيذ وتحسين الكفاءة وخفض التكاليف المحتملة.
وأضافت أن هذه التقنية تشهد حالياً تقدماً في عدد من الدول، بما في ذلك كندا والولايات المتحدة وأوروبا والصين، بينما تمتلك روسيا بالفعل مفاعلات معيارية صغيرة قيد التشغيل.
ورغم التوقعات بأن تلعب هذه المفاعلات دوراً متزايداً خلال السنوات المقبلة، فإن المفاعلات النووية الكبيرة ستظل، بحسب الرابطة النووية العالمية، العمود الفقري لتطوير الطاقة النووية عالمياً، إذ إن غالبية المحطات النووية الجديدة التي يجري بناؤها حالياً تعتمد على مفاعلات تقليدية كبيرة.
ومع تزايد الضغوط العالمية لتحقيق أهداف الحياد الكربوني وضمان أمن الطاقة، تبدو ماليزيا أمام مرحلة تقييم استراتيجية قد تحدد شكل مزيج الطاقة لديها خلال العقود المقبلة.
ويرى خبراء القطاع أن نجاح أي توجه نحو الطاقة النووية لن يعتمد فقط على الجدوى الاقتصادية أو التقنية، بل على مدى قدرة الدولة على بناء منظومة تنظيمية ومؤسسية متكاملة تضمن السلامة والكفاءة والاستدامة على المدى الطويل.
وكالة الأنباء الوطنية الماليزية - برناما//س.هـ